صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
176
الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة
واما الذين قالوا إنه مرض نفساني أو قالوا إنه جنون الهي فإنما قالوا ذلك من اجل انهم رأوا ما يعرض للعشاق من سهر الليل ونحول البدن وذبول الجسد وتواتر النبض وغور العيون والأنفاس الصعداء مثل ما يعرض للمرضى فظنوا أن مبدأه فساد المزاج واستيلاء المرة السوداء وليس كذلك بل الامر بالعكس فان تلك الحالات ابتدأت من النفس أولا ثم أثرت في البدن فان من كان دائم الفكر والتأمل في امر باطني كثير الاهتمام والاستغراق فيه انصرفت القوى ( 1 ) البدنية إلى جانب الدماغ وينبعث من كثره الحركات الدماغية حراره شديده تحرق الاخلاط الرطبة وتفنى الكيموسات الصالحة فيستولى اليبس والجفاف على الأعضاء ويستحيل الدم إلى السوداء وربما يتولد منه الماليخوليا . وكذا الذين زعموا انه جنون الهي فإنما قالوا من اجل انهم لم يجدوا دواء ا يعالجون ولا شربه يسقونها فيبرؤن مما هم فيه من المحنة والبلوى الا الدعاء لله بالصلاة والصدقة والرقى من الرهبانيين والكهنة وهكذا كان دأب الحكماء والأطباء اليونانيين فكانوا إذا أعياهم مداواة مريض أو معالجة عليل أو يئسوا منه حملوه إلى هيكل عبادتهم وأمروا بالصلاة والصدقة وقربوا قربانا وسئلوا أهل دعائهم وأحبارهم ورهبانهم ان يدعوا الله بالشفاء فإذا برى المريض سموا ذلك طبا إلهيا والمرض جنونا إلهيا . ومنهم من قال إن العشق هواء غالب في النفس نحو طبع مشاكل في الجسد ( 2 ) أو نحو صوره مماثله في الجنس ( 3 ) . ومنهم من قال منشأه موافقه الطالع عند الولادة فكل شخصين اتفقا في الطالع ودرجته أو كان صاحب الطالعين كوكب واحد أو يكون البرجان متفقين في بعض الأحوال والانظار كالمثلثات أو ما شاكل ذلك مما عرفه المنجمون وقع بينهما التعاشق
--> ( 1 ) تبعا لمخدومها وكذا الحرارة الغريزية التي هي آله افعالها فيجف الدماغ بافراط ويحترق إذ لا يطيق لتوجه الكل اليه س قده ( 2 ) اي مزاجا ونحوه فيكون هذا الطبع كالطبع الذي تعلق به النفس العاشقة فكما يعشق النفس طبع نفسها فكذلك الطبع الذي يشاكله مزاجا مثلا س قده ( 3 ) المراد به الجنس اللغوي لا المنطقي س قده .